ليالي رمضان بالمغرب في ظل كورونا.. هل تتسع البيوت لكل أنشطتنا؟
تطلّ ابتسام من شرفة بيت عائلتها القريب من فضاء كان يخصص لصلاة التراويح (مصلى حي الانبعاث الشهير بسلا)، وبحسرة ترقب المكان الذي صار مهجورا يتردد في جوانبه صدى الأذان دون مصلين.
تصف ابتسام -وهي شابة في العشرينيات- للجزيرة نت في اتصال هاتفي كيف يبدو الحي -الذي كان يعرف أمواجا بشرية في ليالي رمضان- فارغا، ومثله مختلف أرجاء المملكة.. غلب السكون على ليالي رمضان بالمغرب في مشهد استثنائي، بعد إعلان حظر التنقل الليلي في إطار تمديد إجراءات الطوارئ الصحية.
تنويع الأنشطة
تحاول ابتسام رفقة عائلتها إيجاد بدائل لأنشطتها السابقة، كصلاة التراويح في البيت وقراءة القرآن والتفاعل مع زملائها في العمل الكشفي، وتحافظ على عادات رمضان قدر المستطاع. 

قالت ابتسام وقد تحشرج صوتها إنها تعمل على اكتساب مهارات جديدة، قبل أن تصمت قليلا وتضيف "نتعب من لا شيء ونمل أحيانا ونضجر.. لكن نعيد ترتيب الأوراق ونبحث عن أنشطة بديلة".  
وكانت ليالي رمضان بالنسبة للإعلامية ليلى العلوي مجالا تتنوع أنشطته الفكرية والثقافية بين المحاضرات والعروض والتغطيات الصحفية. ليلى تجرّب في زمن كورونا العديد من البدائل، من روايات ومسلسلات، إلى جانب العمل وإعداد الطعام، وتحافظ على عادات التواصل العائلي عبر جلسات واتساب.
تصف ليلى للجزيرة نت كيف تنوِّع مجالات اهتمامها، وكيف تنتقل بين أنشطة منها ما تتمه ومنها ما تمله.. وكأنها في قاعة انتظار!
على غرار ابتسام وليلى تتوزع أنشطة المغاربة في البيوت بين العبادات والتواصل الافتراضي والقراءة والطهي، فيما اختار بعضهم إنشاء منصات للتوعية وإنشاء محتوى لوسائط التواصل بشكل مباشر أو عبر ندوات تفاعلية متنوعة. 
عادات رمضانية راسخة
تتميز الليالي الرمضانية في المغرب بطقوس خاصة تبدأ بأداء التراويح  في المساجد، تليها التجمعات العائلية وخصوصا الفعاليات الثقافية والمحاضرات. وكانت الليالي الرمضانية في المغرب مشتلا لمختلف التفاعلات التجارية والاجتماعية والثقافية، حيث تفتح المحلات والمطاعم وقاعات العروض الفنية ليلا. ومع حظر التنقل الليلي بقيت البيوت المجال الوحيد لكل أنشطة المغاربة في زمن كورونا. فهل تتغير عادات المغاربة خلال ليالي رمضان؟ وهل تستوعب البيوت كل أنشطتهم؟

يُفيد أستاذ علم الاجتماع زكريا أكضيض أن عادات المغاربة برمضان عادات مترسخة في الوعي الجمعي، يصعب القول بتغيرها بشكل جوهري أو كلي نتيجة ظرف طارئ. ويضيف أكضيض في حديث مع الجزيرة نت، أن المغاربة ينتجون بدائل تمكنهم من التكيف إلى حين الرجوع إلى عاداتهم ذاتها.
 بعد إغلاق المدارس في المغرب أصبح الطلبة يتعايشون مع الوضع (رويترز)
بعد إغلاق المدارس في المغرب أصبح الطلبة يتعايشون مع الوضع 
التكيف مع الحجر في رمضان
يعتبر الاختصاصي النفسي فيصل الطهاري أن المغاربة تجاوزوا مرحلة التكيف الأولى مع حالة الطوارئ، حيث عاشوا أكثر من شهر في الحجر الصحي قبل رمضان. ويرى الطهاري في حديث مع الجزيرة نت، أن المرحلة الثانية من تمديد الطوارئ الصحية وحظر التنقل الليلي هي مرحلة فيها نوع من الاعتياد، أصبح المواطن يتفهمها رغم صعوبتها وصعوبة التداعيات النفسية المرتبطة بتقييد الحركة.

ويعيش العالم كله في زمن كورونا حياة غير عادية وغير مألوفة، وعلى غرار العديد من المجتمعات يحاول المغاربة الحفاظ على أجواء رمضان، والتكيف مع الوضع القائم عبر الانشغال في العبادة والانخراط بأجواء وعادات رمضان من خلال محاكاتها في البيوت، فتجد البعض يقتسم صورا لصالونات البيت مفروشة بسجادات الصلاة، وآخرون يتسامرون عن بعد أو يشاركون في نقاشات افتراضية.
يوضح الطهاري أن الإنسان له قدرة على التقبل، ويستطيع التكيف لوجود واقع أكبر يهدد حياته وحياة المحيطين به، رغم الضغط الحاصل على المستوى النفسي.
 تحافظ ابتسام وأسرتها على أداء التراويح في البيت بدل المصلى (الجزيرة)
تحافظ ابتسام وأسرتها على أداء التراويح في البيت بدل المصلى (الجزيرة)
بدائل اجتماعية لعادات رمضانية
يؤكد زكريا أكضيض أن المغاربة يبحثون عن بدائل للانسجام مع طقوسهم دون تغيير للعادات أو اجتثاثها، ويوضح أننا أمام بدائل اجتماعية مؤقتة تطفئ حدة غياب العادات الرمضانية، وعن أشكال بديلة للعلاقات الاجتماعية التي تنشط بعد الفطور.

ولاحظ أكضيض إقبال المغاربة على شبكات التواصل الاجتماعي من أجل الحفاظ على العلاقات ولو بشكلها الافتراضي.
وأشار إلى أن المغاربة أصبحت لهم القدرة على الانفتاح أكبر على تطبيقات جديدة للحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية العائلية والمهنية، وأنهم في تواصل دائم بأشكال أخرى.
وفي سياق تأثير التباعد وتقييد التجوال يطرح أجديد مدى القدرة على تحقيق الولادة الجديدة بشكلها الرمزي التي يمثلها رمضان عند المغاربة في ظل التعبد الفردي والوجود الفردي، حيث يرتبط الانخراط في الزمن الرمضاني بشكل جماعي في التراويح والصداقات والزيارات في الوعي الجمعي للمغاربة بنوع من الشعور بالتخلص من عبء ذنوب السنة.